وهبة الزحيلي

70

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة من حديث السبعة الذين يظلهم اللّه في ظله ، ومنهم : « ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه » و روى أحمد وابن أبي حاتم عن أبي أمامة : « أن أبا ذرّ قال : يا رسول اللّه ، أي الصدقة أفضل ؟ قال : صدقة سرّ إلى فقير ، أو جهد من مقلّ ، ثم قرأ الآية : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ و روى الطبراني مرفوعا : « إن صدقة السر تطفئ غضب الرب » . ودليل إعلان الصدقة المفروضة : ما روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال : « جعل اللّه صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها ، يقال : بسبعين ضعفا ، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها ، يقال : بخمسة وعشرين ضعفا . وأما الصدقة الواجبة ( الزكاة ) : فأكثر العلماء على أن إظهارها أفضل من إسرارها ؛ لأن الفرائض لا يدخلها رياء ، والنوافل عرضة لذلك ، أخرج مسلم في صحيحة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة » ومن هنا قيل : صلاة النفل فرادى أفضل ، والجماعة في الفرض أبعد عن التّهمة . بل إن إظهار الفرائض أمر لا بد منه لإقامة شعائر الدين ، وفيه الدلالة على قوة الإسلام ، كما أن فيه الأخذ والعمل بمبدإ القدوة الحسنة . وتجوز صدقة التطوع للمسلم والكافر ، والبر والفاجر ، والفقير والغني ، لأن اللّه تعالى قال : وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فقد أطلق كلمة الْفُقَراءَ ولم يقيدها بفقراء المسلمين ، وجعل الخيرية في إعطائها للفقير ، ولم يمنعها عن الغني ، وورد في الصحيحين : « في كل كبد حرّى رطبة أجر » أي أن رحمة جميع المخلوقات مدعاة للثواب . وأما الزكاة المفروضة وزكاة الفطر فهي خاصة بالمسلمين وبالفقراء ، لقوله تعالى : إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ولحديث معاذ حينما أرسله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم واليا إلى اليمن : « خذها من أغنيائهم ، وردها في فقرائهم » « 1 » .

--> ( 1 ) رواه الجماعة عن ابن عباس .